أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

31

نثر الدر في المحاضرات

عبد الملك بن مروان « 1 » خطب فقال : أيّها الناس ، اعملوا للّه رغبة أو رهبة ، فإنكم بنات نعمته ، وحصيد نقمته ، ولا تغرس لكم الآمال إلا ما تجتنيه الآجال . وأقلّوا الرغبة فيما يورث العطب ، فكل ما تزرعه العاجلة تقلعه الآجلة . واحذروا الجديدين ؛ فهما يكرّان عليكم باقتسام النفوس ، وهدم ، المأسوس . كفانا اللّه وإياكم سطوة القدر ، وأعاننا بطاعته عن الحذر من شرّ الزّمن ، ومعضلات الفتن . بصق عبد الملك ، فقصر ؛ فوقع بصاقه على البساط ؛ فقام رجل فمسحه بثوبه ؛ فقال عبد الملك : أربعة لا يستحيى من خدمتهم : السلطان والولد ، والضّيف ، والدابة وأمر للرّجل بصلة . استأذن رجل عليه ، فأذن له ، فوقف بين يديه ووعظه ؛ فقال عبد الملك لرجل : قل للحاجب ، إذا جاء هذا فلا تمنعه ، وإنما أراد أن يعرفه الحاجب فلا يأذن له . وقال : إني لأعرف عزّة الرجل من ذلته بجلسته . وقال له ابنه الوليد : ما السياسة ؟ قال : هيبة الخاصة مع صدق مودّتها ، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها ، واحتمال هفوات الصنائع . ودخل الشّعبي عليه ، فخطّأه في مجلس واحد في ثلاث ، سمع الشعبي منه حديثا ؛ فقال : أكتبنيه . فقال : نحن معاشر الخلفاء لا نكتب أحدا شيئا . وذكر رجلا فكنّاه فقال : نحن معاشر الخلفاء لا يكنى الرجال في مجالسنا ، ودخل إليه الأخطل ، فدعا له بكرسي . فقال : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : الخلفاء لا تسأل ؛ فأخجله في أول مقام . وقال لأخيه عبد العزيز حين وجّهه إلى مصر : تفقّد كاتبك وحاجبك وجليسك ؛ فإنّ الغائب يخبره عنك كاتبك ، والمتوسّم يعرفك بحاجبك والخارج من عندك يعرفك بجليسك .

--> ( 1 ) هو عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي ، أبو الوليد ، من أعظم الخلفاء المروانيين ودهاتهم ، توفي سنة 86 ه ( الأعلام 4 / 165 ) .